عبد الله بن محمد بن شاهاور الرازي
66
منارات السائرين إلى حضرة الله ومقامات الطائرين
وقوله : « وأرسلت إلى الخلق كافة » هذا أيضا مما يتعلق بقوة ولاية النبوة والرسالة ، وإن مثلهم كمثل الدجاجة توضع تحتها البيضة بقدر قوتها في التصرف فيها ، وعلى حسب اشتمال جناحيها عليها ، والا تفسد البيضة إذا كانت خارجة من تحت جناحيها ، فأرسل كل نبي إلى قوم خاص ، وبعث - صلى اللّه عليه وسلم - إلى الأحمر والأسود من أهل الشرق والغرب ؛ لأن الجناحية طولا وعرضا تبلغ المشرق والمغرب ، فبعث إلى أهل المشرق والمغرب والذي يدل على هذا قوله - صلى اللّه عليه وسلم - : « زويت لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وسيبلغ ملك أمتي ما زوى لي منها » « 1 » ولولا أنه - صلى اللّه عليه وسلم - خوطب وأمر بقوله تعالى : وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ [ الحجر : 88 ] وإلا أي مؤمن كان قادرا على أن يطير إلا تحت جناحيه وهما محيطان بالدنيا والآخرة ، وهو يطير بهما إلى الرفيق الأعلى ، ولما كان - صلى اللّه عليه وسلم - ثمرة شجرة المكونات وأرسله اللّه بالهدى ودين الحق وهي خروجه عن أغصان قاب قوسين بالثمرة ليظهره على الدين كله ، أي على أديان الأنبياء ظهور غلبة واستيلاء ونسخ ختم به النبيون ؛ لأنهم بمثابة الأزهار والأنوار على شجرة المكونات وهو الثمرة ، فبعد خروج الثمرة عن الشجرة لا يخرج شيء آخر منها ، فيكون خروج الثمرة ختما على الشجرة فلهذا قال - صلى اللّه عليه وسلم - : « وختم بي النبيون » وقوله : « أعطيت الشفاعة » إشارة إلى أنه كان بذر شجرة الموجودات ، والبذر هو المستفيض من فيض النفس النامية لاستخراج أركان الشجرة ، من بذرية نفسه ، فإذا أمعنت النظر وجدت البذر شافعا مشفعا عن النفس النامية بطريق الاستفاضة منها لاستخراج أركان الشجرة شريفها وخسيسها ، كما قال - صلى اللّه عليه وسلم - : « الناس يحتاجون إلى شفاعتي حتى إبراهيم » « 2 » ولهذا قال : « أنا سيد ولد آدم ولا فخر » « 3 » وقال : « آدم ومن دونه تحت لوائي يوم القيامة ولا فخر » « 4 » وأن لواءه خصوصية ثمريته ولا ريب . وأن الشجرة بما فيها تحت لواء الثمرة ، وليس للثمرة بهذا فخر ، ولكن للشجرة فخرا وافتخارا بأن تكون تحت لواء الثمرة ؛ لأنها مفتقرة إليها ، وكل مفتقر إلى شيء مفتخر به ، فلما لم يكن النبي - صلى اللّه عليه وسلم - مفتقرا إلا إلى اللّه تعالى وشجرة الموجودات كانت
--> ( 1 ) أخرجه ابن كثير في البداية والنهاية ( 6 / 299 ) ، طبعة دار الفكر ، والقاضي عياض في الشفا ( 1 / 519 ) طبعة الفارابي . ( 2 ) هذا الحديث لم أجده فيما لدي من مصادر ومراجع . ( 3 ) أخرجه الحاكم في المستدرك ( 2 / 604 ) نسخة مصورة بيروت . وأورده المتقي الهندي ، في كنز العمال ، كتاب الفضائل ، حديث رقم ( 32038 ) . ( 4 ) أورده العجلوني في كشف الخفاء ، حديث رقم ( 11 ) طبعة دار الكتب العلمية - بيروت . والسيوطي في الدر المنثور ( 6 / 301 ) طبعة دار الفكر بيروت .